الآلوسي
50
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
ذكر لأنه تعالى ذكر فيها التكاليف الشاقة والزواجر الصعبة فأراد جل شأنه أن يسهل عليهم ذلك ويشجع النبي صلّى اللّه عليه وسلم على تبليغه ، وقد تضمن من أوصافه صلّى اللّه عليه وسلم الكريمة ما تضمن ، وقد بدأ سبحانه من ذلك بكونه من أنفسهم لأنه كالأم في هذا الباب ، ولا ينافي وصفه صلّى اللّه عليه وسلم بالرأفة والرحمة بالمؤمنين تكليفه إياهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة لأن هذا التكليف أيضا من كمال ذلك الوصف من حيث إنه سبب للتخلص من العقاب المؤبد والفوز بالثواب المخلد ، ومن هذا القبيل معاملته صلّى اللّه عليه وسلم للثلاثة الذين خلفوا كما علمت ، وما أحسن ما قيل : فقسا ليزدجروا ومن يك حازما * فليقس أحيانا على من يرحم وهاتان الآيتان على ما روي عن أبي بن كعب آخر ما نزل من القرآن . لكن روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ النساء : 176 ] وآخر سورة نزلت براءة . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما آخر آية نزلت : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] وكان بين نزولها وموته صلّى اللّه عليه وسلم ثمانون يوما ، وقيل : تسع ليال ، وحاول بعضهم التوفيق بين الروايات في هذا الشأن بما لا يخلو عن كدر . ويبعد ما روي عن أبي ما أخرجه ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له : إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال : ولم سألتم هذا ؟ قالوا : نطلب الأمن فأنزل اللّه تعالى هذه الآية لَقَدْ جاءَكُمْ إلخ واللّه تعالى أعلم بحقيقة الحال . وقد ذكروا لقوله سبحانه : فَإِنْ تَوَلَّوْا الآية ما ذكروا من الخواص ، وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفا وابن السني عنه قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من قال حين يصبح وحين يمسي حسبي اللّه لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه اللّه تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة ، و أخرج ابن النجار في تاريخه عن الحسين رضي اللّه تعالى عنه قال : من قال حين يصبح سبع مرات حسبي اللّه لا إله إلا هو إلخ لم يصبه في ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا نكب ولا غرق ، وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : خرجت سرية إلى أرض الروم فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده شيئا من ماء وزاد فلما ولوا أتاه آت فقال : ما لك هاهنا ؟ قال : انكسرت فخذي فتركني أصحابي فقال : ضع يدك حيث تجد الألم وقل : فَإِنْ تَوَلَّوْا الآية فوضع يده فقرأها فصح وركب فرسه وأدرك أصحابه ، وهذه الآية ورد هذا الفقير وللّه الحمد منذ سنين نسأل اللّه تعالى أن يوفق لنا الخير ببركتها إنه خير الموفقين . هذا ومن باب الإشارة في الآيات : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ لما هداهم سبحانه إلى الإيمان العلمي وهم مفتونون بمحبة الأنفس والأموال استنزلهم لغاية عنايته سبحانه بهم عن ذلك بالمعاملة الرابحة بأن أعطاهم بدل ذلك الجنة ، ولعل المراد بها جنة النفس ليكون الثمن من جنس المثمن الذي هو مألوفهم ولكن الفرق بين الأمرين ، قال ابن عطاء : نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل إثم ومعصية فاشترى مولاك ذلك منك ليزيل ما يضرك ويعوضك عليه ما ينفعك ولهذا اشترى سبحانه النفس ولم يشتر القلب ، وقد ذكر بعض الأكابر في ذلك أيضا أن النفس محل العيب والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره فشراء اللّه تعالى ذلك مع اطلاعه سبحانه على العيب بالجنة التي لا عيب فيها نهاية الكرم ويرشد إلى ذلك قول القائل : ولي كبد مقروحة من يبيعني * بها كبدا ليست بذات قروح أباها جميع الناس لا يشترونها * ومن يشتري ذا علة بصحيح